سيد محمد طنطاوي
56
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية ، وجعلوها مخصصة للتي في سورة البقرة وهي قوله - تعالى - : ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها . وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع . كقوله - تعالى - لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( والْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) * أخذه الجمهور على عمومه ، فأباحوا التزوج من أهل الكتاب وإن غيروا وبدلوا ، ذميين كانوا أو حربيين . وقيده جماعة بالذميين دون الحربيين . وذهب جماعة من السلف إلى أن أهل الكتاب قد غيروا أو بدلوا وعبدوا المسيح . وقالوا : إن اللَّه ثالث ثلاثة . فهم بذلك والمشركون في العقيدة سواء وقد حرم اللَّه التزوج من المشركات ونسب هذا الرأي إلى عبد اللَّه بن عمر وغيره من الصحابة . وتأولوا الآية بوجوه أقربها أنها رخصة خاصة في الوقت الذي نزلت فيه . قال عطاء : إنما رخص اللَّه في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة . أما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة . والذي نراه في المسألة أنه ليس في الآية ما يدل على أنه رخصة ، ولا نعلم في الشريعة ما يدل على أنه رخصة . والآية دالة على الإباحة المطلقة ، ولم تقيد بوقت خاص ، ولا بحالة خاصة . نعم إن ما نراه اليوم في بعض المسلمين من رغبة التزوج بنساء الإفرنج لا لغاية سوى أنها إفرنجية . ثم يضع نفسه وأولاده تحت تصرفها فتنشئهم على تقاليدها وعاداتها التي تأباها تعاليم الإسلام . نعم إن ما نراه من كل ذلك يجعلنا نوجب على الحكومات التي تدين بالإسلام وتغار على قوميتها وشعائرها . . أن تمنع من التزوج بالكتابيات ، وأن تضع حدا لهؤلاء الذين ينسلخون عن قواميتهم على المرأة . حفاظا على مبادئ الدين وعلى عقيدة أولاد المسلمين . وإن العمل على تقييد هذا الحكم في التشريع الإسلامي أو منعه ، لألزم وأوجب مما تقوم به بعض الحكومات الإسلامية ، أو تحاول أن تقوم به ، من تحديد سن الزواج للفتاة . وتقييد تعدد الزوجات ، وتقييد الطلاق ، وما إلى ذلك من التشريعات التي ينشط لها كثير من رجال الحكم ، سيرا وراء مدنية الغرب المظلمة .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 20